شيخ محمد قوام الوشنوي

162

حياة النبي ( ص ) وسيرته

والجهد ، وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلّا بادروهم إليه فاشتروه ، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق ، وأجمعوا أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه ، وبعث اللّه على صحيفتهم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق وكانت معلقة في سقف البيت ، فلم تترك اسما للّه فيها إلّا لحسته وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، وأطلع اللّه رسوله ( ص ) على الذي صنع بصحيفتهم ، فذكر ذلك رسول اللّه لأبي طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب ما كذبني . فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتّى أتى المسجد وهو حافل من قريش ، فلما رأوهم عامدين بجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم قد خرجوا من شدة البلاء فأتوا ليعطوا رسول اللّه ( ص ) ، فتكلم أبو طالب فقال : قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم ، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم علينا فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح . وانّما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكّون أن رسول اللّه ( ص ) مدفوعا إليهم ، فوضعوها بينهم فقال أبو طالب : انّما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف ، إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن اللّه بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم هو له فيها وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيّانا وتظاهركم علينا بالظلم ، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فو اللّه لا يسلم حتّى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم . قالوا : قد رضينا بالذي تقول ، ففتحوا الصحيفة ووجدوا الصادق المصدوق ( ص ) قد أخبر خبرها ، فلما رأتها قريش كالذي قال قالوا : واللّه إن كان هذا قط الّا سحر من صاحبكم . فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب : ان الأولى بالكذب والسحر غيرنا ، فإنّا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر ، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم ، طمس اللّه ما كان فيها من اسم اللّه وما كان من بغي تركه ، أفنحن السحرة أم أنتم ؟ فقال عند ذلك النفر من